ابن سبعين
50
رسائل ابن سبعين
طلب الأعواض ، وإنما قامت على ما يقتضيه الأمر في نفسه ، فشتان بين العبادتين ، يقول العارف : اللّه ، فيحرق بنفسه كل ما سوى اللّه : لكن في حاله لا في مقامه . وقال فيه : ما ثمّ إلا موافقة ومخالفة ، فبالموافقة ينال القرب الإلهي وترفع الحجب ، وبالمخالفة يكون البعد الإلهي وإرسال الحجب ؛ إذ هو القريب البعيد . وقال فيه : السعيد : من إذا صلّى العشاء الأخيرة جعل صحيفة أعماله في ذلك اليوم بين يديه ، ونظر فيها فإذا رأى ما يطلب الشكر شكر ، وما يطلب الاستغفار استغفر ، وما يطلب التوبة تاب ، إلى أن يفرغ ، ثم يطوي الصحيفة وينام على شكر واستغفار وتوبة ، يفعل ذلك كل ليلة . فإنه لا يدري متى يفجأه الموت . هكذا كان فعل شيخنا أبي عبد اللّه بن مجاهد بإشبيلية ، إلى أن مات ، وولي مكانه ومجلس تدريسه شيخنا أيضا أبو عبد اللّه بن قسوم ، ونعم ابن قسوم زاد على شيخه في الاجتهاد ، وأربى والتزم هذه الطريقة : أي محاسبة نفسه في كل ليلة ، وكنت كثيرا ما أغشاه ، ويوصيني بما أفعله في ديني رحمه اللّه . وعلى هذه الطريقة رأيت أبا عمران موسى بن عمران المسيريلي ، من أكابر أصحاب الشيخ أبي عبد اللّه بن مجاهد المذكور ، وكان لديه أدب كثير وطلب ، ومما أنشد به لنفسه من أبيات له خرجت عن خاطري في هذا الوقت ، وهي لزومية كتبها لي بخطه رضي اللّه عنهم منها : فأنت ابن عمران موسى المسئ * ولست ابن عمران موسى الكليما وكان يؤم بمسجد الرّضا بإشبيلية ، ويعرف ذلك المسجد أهل البلد بالكنيسة المرحومة ، فالتزمت هذه الطريقة ، ورأيت لها البركة أعني : محاسبة النفس . وقال في رسالة الكنه فيما لا بدّ للمريد منه : « ومما لا بدّ منه محاسبة نفسك ومراعاة خواطرك مع الإناث ، وأشعر بالحياء من اللّه تعالى في قلبك ، فإنك إذا استحييت من اللّه منعت قلبك أن يخطر فيه خاطر يذمه اللّه ، أو تتحرك بحركة لا يرضاها اللّه ، ولقد كان لنا شيخ يقيّد حركاته في نهاره في كتاب ، فإذا أمسى جعل صحيفته بين يديه ، وحاسب نفسه على ما فيها ، وزدت أنا على شيخي بتقييد خواطري » . وهذه الرسالة ينبغي لكل مريد ناصح نفسه أن يلتزم بما فيها ، كما ينبغي لكل من يدّعي المعرفة أن يطلع كتابه المسمّى ب « روح القدس في مناصحة النفس » ، فإنه نصح فيه وبالغ في النصيحة ، جعل اللّه موازينه رجيحة ، ومن أراد أن يستكشف عن زوايا أسرار الآداب المحمدية وما فيها من الخبايا فليدأب على مطالعة آخر أبواب فتوحاته ، وهو باب الوصاية ، ومن أراد شرب الرحيق المختوم فليتحقق بكتابه مواقع النجوم ، وكتبه رضي اللّه عنهم كلها